خليل الصفدي
154
أعيان العصر وأعوان النصر
المالكي . صحب والده القدوة الزاهد علم الدين ، وتفقّه به وبجماعة ، وأفتى ودرس ، وكان كثير الحج والمجاورة ، والتألّه والصدق والإخلاص . ومولده سنة ثلاث وسبعين وستمائة . 1101 - عثمان أبو عمرو « 1 » الصعيدي الحلبوني - بفتح الحاء المهملة ، وسكون اللام ، وضم الباء الموحدة ، وبعدها واو ساكنة ونون بعدها ياء آخر الحروف - الشيخ الصالح العابد . كان فيه صدق وتألّه ، وتؤثر عنه أحوال وتوجّه وتأثير ، أقام مدة ببعلبك ومدة ببرزة . وكان قانعا متعففا ، ترك أكل الخبز مدة سنين عديدة ، وقال إنه يتضرر بأكله . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في السابع عشر من شهر المحرم سنة ثمان وسبعمائة ، وطلع الأفرم والقضاة والناس إلى جنازته . 1102 - عثمان بن أبي النوق « 2 » فخر الدين المغربي . كان له قدرة على الارتحال ، والبديهة التي يعجز عنها بعض الرجال ، يكاد أنه لا يتكلم في جميع محاوراته إلا بالشعر الموزون ، والنظم الذي يفرح به المخزون ، ولما وصف لي بذلك هوّنت أمره ، وقلت : يكون ممن يورد تمرة وجمرة ، فما كان إلا أن رأيته بالجامع الأموي في ليلة نصف شعبان ، وهو واقف ينضض بلسانه مثل الثعبان ، والناس في ذلك الأمر المريج ، وكأن صحن الجامع بذلك الوقيد أزاهر الروض البهيج ، فقلت له : يا مولانا ، أنشدنا شيئا من شعرك ، واقذف لنا قليلا من لآلئ بحرك ، فأنشدني من وقته في الحالة الراهنة أبياتا جملة ، أتى بها سردا من أول وهلة ، كأنما كان قد بيّتها لذلك ، أو سهر فيها ليلة الحالك ، ومعناها تشبيه ذلك الوقيد والاشتعال ، ووصف ما للناس به من الاحتفال والاشتغال ، وتشبيهه القوم وحركاتهم ، وترقيهم في درجاتهم ، وانحطاطهم في دركاتهم ، بحيث لو وصف في ذلك لما صدقت ، ولا ارتمى بي الظن إلى ذلك ولا حلقت ، فما كدت أقضي عجبي منه ، ووددت أنني لم أنفصل عنه ، ثم إنني اجتمعت به بعد ذلك في جامع
--> ( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات : 19 / 520 ، والبداية والنهاية : 14 / 48 ، والدرر الكامنة : 2 / 442 ، الملوك : 2 / 1 / 50 ، وشذرات الذهب : 3 / 16 ، وذيول العبر : 42 . ( 2 ) انظر : الوافي بالوفيات : 19 / 521 ، والدرر الكامنة : 2 / 451 .